يمكن إن تكون معادلة الموقف المتوازن المطلوب تجاه ملف (البعث والبعثيين والاجتثاث) متكونة من تكامل العناصر التالية ، والتي سنذكرها ادناه بمستوى الخطوط العامة ، مع التأكيد على إن الجانب المهم في الملف ، ليس هو أبقاء عنوان (هيئة اجتثاث البعث) او عدم
بقائه او إقرار عنوان هيئة جديدة مثل (هيئة المصالحة والمساءلة) او (المسائلة والعدالة) وغير ذلك من العناوين ، وإنما الجانب المهم في هذا الملف هو المحافظة على عناصر اساسية في هذا الملف تحفظ التوازن بين ثوابت الدستور وبين المصالحة ، والعناصر هي :
أولاً- الانتماء الى حزب البعث في عهد صدام ليس جرما بحد ذاته ، لا دستوريا ولا وفق اعتبارات اخرى ، نعم الحزب محظور في ظل النظام الجديد ، وسنتكلم عن هوامش هذه المسالة لاحقاً .
ثانياً- يبقى من حق كل بعثي عراقي يشعر بالغبن من قرارات (هيئة اجتثاث البعث) التي تم اتخاذها تجاهه ، ان يتظلم قضائياً ويقدم الأدلة اللازمة لإثبات براءته من الاتهامات ، وإذا ما تم إنصافه قضائياً فمن حقه المطالبة بحقوقه الممنوعة عنه بسبب تلك القرارات . ولا يُحَّدد ذلك التظلم بزمن محدد ، كما يتم دراسة كل حالة على حدة ، ولا يحق لأية جهة إلغاء كل قرارات هيئة اجتثاث البعث السابقة لمجرد وجود بعض حالات الفساد الإداري فيها .
ثالثاً- كما يبقى من حق كل مواطن عراقي تقديم دعوى قضائية ضد البعثيين الذين ارتكبوا بحقه الجرائم ، والمطالبة بمعاقبة المجرمين الذين يتم ادانتهم قضائيا ووفق القانون والمطالبة بالتعويض عما لحق به او بعائلته من اضرار .
ولايُقيد ذلك الحق بزمن محدد (لان تلك الجرائم لا تسقط بالتقادم) وبسبب تعقيدات ظروف ارتكاب الجرائم (في العهد البائد) مثل استخدام غالبية رجال الأمن والمخابرات الأسماء المستعارة وتبعثر الأدلة بين
عدة جهات واستمرار خوف الضحايا في الوقت الحاضر والفساد الإداري وعدم النزاهة السائدة وبنطاق واسع في العديد من أجهزة الدولة التي تمر من خلالها شكاوى ودعاوى ضحايا البعث الصدامي .
رابعاً- إتاحة الفرصة العادلة لجميع العراقيين باختلاف انتماءاتهم السياسية والدينية والقومية والمذهبية والاجتماعية والمناطقية (بما فيهم البعثيين السابقين) للمشاركة في بناء العراق الجديد والمشاركة في خيراته والتمتع بحقوق المواطنة فيه وتشجيع البعثيين على الانخراط في الحياة الطبيعية ، وبالتالي تقديم نموذج ناجح آخر لقدرة العراقيين على قهر التحديات وإيجاد النظام السياسي العادل وبناء حضارة إنسانية أخرى ، كما تمكنوا من ذلك قبل آلاف السنين وعلى هدي رسالات السماء
خامساً- حفاظاً على ثوابت الدستور والنظام السياسي الديمقراطي الجديد في العراق ، يمنع ولفترتين دستوريتين على الأقل (ثمان سنوات) منعا باتاً عودة أي بعثي ومهما كانت درجته الحزبية من العمل في أجهزة الأمن والمخابرات والاستخبارات العسكرية والأمن الوطني وكذلك في مستوى القيادات العسكرية والحكومية المفصلية ...
وتفتح أما مهم مجالات العمل الأخرى في القطاعات المدنية وغير الأمنية ، ويتم انجاز معاملات تقاعد البعثيين الذين كانوا يعملون في الأجهزة الأمنية في العهد السابق ، خاصة وان غالبيتهم قد تجاوز (أو على وشك تجاوز) سن التقاعد الرسمي (63 سنة) .
سادساً- يتم تشجيع البعثيين الراغبين في العمل السياسي في العهد الجديد ، على إجراء مراجعة شاملة للفكر والممارسة والسياسات التي تميز بها نظام الحزب الأوحد في العهد الصدامي ولفترة 35 عام (أي حزب السلطة حزب البعث) ، خاصة وان صدام افرغ شعارات الحزب الثلاث (وحدة – حرية – اشتراكية) من مضامينها وقام أيضاً بتصفية رفاقه الحزبيين وقادة الحزب التاريخيين بنفس شراسة قتل الوطنيين من قادة وكوادر الحركة الوطنية العراقية .
وبالتالي تسبب صدام في فقدان الحزب (خاصة بعد تصفيات 1973 و 1979) دوره كحزب سياسي تغييري ، وتحوله الى منظمة بوليسية للتجسس والإرهاب والى أداة قمع لصالح سلطة صدام وعائلته .
وتشجيع البعثيين على استيعاب متغيرات القرن الحادي والعشرين التي عزلهم صدام عنها لثلاثة عقود ونصف ، وتشجيعهم على إدانة الجرائم التي تم ارتكابها بحق العراقيين باسمهم والاعتذار للشعب والأمة عنها وفرز المجرمين الذين ارتكبوها عن صفوفهم ، وبدء تغييرات جذرية في الفكر والمنطلقات لتحويل (البعث) الى حزب عراقي وطني يحترم آليات العملية السياسية ثم تمكينهم من تقديم طلب (بعد إجراء تلك التغييرات) الى مجلس النواب للنظر في إعادة الموقف من المادة الدستورية التي تحظر العمل باسم حزب البعث وتحظر كل كيان او نهج يتبنى فكر ورموز البعث الصدامي .