جئتكم احمل رسالة العراق بكل مكوناته وقادته وقواه السياسية بأن العراق قد تجاوز الازمات و الانقسامات وتوحدت ارادة جميع ابنائه وهو يمضي قدما في تطوير العملية السياسية وتكريس التجربة الديمقراطية وانه دخل مرحلة جديدة اصبحت فيها المصلحة العليا للبلاد فوق الخلافات الجانبية .
ان العراق اليوم افضل بكثير مما كان عليه في الفترة التي عقد فيها مؤتمرا شرم الشيخ واسطنبول قبل اقل من عام، و يعود هذا التطور الى جهودنا المتواصلة في عملية تفعيل دائمة للمصالحة الوطنية وتنمية قدرات قواتنا المسلحة وتعاون المواطنين مع اجهزتنا الأمنية .
لقد حققنا تقدما ملحوظا في تثبيت الأمن في بغداد التي نجحت فيها خطة فرض القانون ، وعادت الحياة الطبيعية الى محافظة الانبار بعد تطهيرها من عصابات القاعدة ،وتمكنا من بسط سلطة الدولة وملاحقة الخارجين عن القانون في مدينة البصرة وباقي المحافظات ,وستشهد نينوى عملية تطهير من عصابات القاعدة وبقايا النظام البائد.
ويشهد العراق في ظل النجاحات الامنية، إجماعا وطنيا إستثنائيا تجلى بموقف متماسك وقوي عبرت فيه جميع الكتل السياسية عن دعمها ومساندتها للحكومة في مواجهة الارهابيين والخارجين عن القانون ونزع سلاح المليشيات وحصرالسلاح بيد الدولة في كل شبر من ارض العراق , لقد أجمعت القوى السياسية كافة على عدم السماح لأية جهة سياسية تملك مليشيات من المشاركة في إنتخابات مجالس المحافظات التي ستجري في الأول من شهر تشرين أول المقبل ، ما يعد نقلة نوعية في العملية السياسية و تكريسا للوحدة الوطنية واسس الحياة الديمقراطية.
ايها السيدات والسادة
لقد اعتبرنا مبادرة المصالحة الوطنية قارب نجاة لجميع العراقيين وكنا جادين في تحقيقها على ارض الواقع ولم تكن مجرد شعارت سياسية ، انما تجسدت بمشاريع وقوانين وقرارات مهمة ساعدت في تثبيت الامن والاستقرار, ودعمنا هذه الجهود بحوارات مع جميع الراغبين بدخول العملية السياسية شرط القاء السلاح، وما زالت ايدينا ممدودة لكل من يؤمن بالمبادئ التي اتفق عليها العراقيون في بناء عراق تحترم فيه الحريات الدينية والقومية والحزبية .
لا يخفى عليكم ان تحول العراق الى بلد ديمقراطي آمن ومسالم مهمة ليست سهلة بعد ان عانى شعبه عقودا طويلة من الاستبداد والدكتاتورية وكبت الحريات وعسكرة المجتمع وعدم الاستقرار في علاقاته مع دول الجوار ومحيطه العربي والاسلامي , وقد ادت تلك السياسات الطائشة الى عزلة سياسية واقتصادية دمرت البنى التحتية ونشرت مظاهر الفساد والفقر في جميع مفاصل الدولة والمجتمع.
ان العراق الذي تخلص من الاستبداد والدكتاتورية مستعد للعب دور بناء يعزز الامن والاستقرار في المنطقة ويلتزم سياسة تقوم على تنقية الاجواء ونزع فتيل الأزمات وإبعاد شبح الحروب والنزاعات عن المنطقة ، لإعتقادنا إن حالة التوتر وعدم الاستقرار تلقي بظلالها على الأوضاع الأمنية ليس في العراق فحسب بل في عموم المنطقة .
ونؤكد لجيراننا وأشقائنا ولكم جميعا ان العراق الجديد ليس عراق الامس الذي يثير النزاعات والحروب ويعتدي على جيرانه وانه بلد اتحادي ديمقراطي تعددي يحرص على اقامة افضل العلاقات مع جميع دول العالم على اساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية .
ان العراق الذي تقوم سياسته على اساس الدستورحريص على ان يكون محطة إلتقاء وحوار بين المتخاصمين الإقليميين والدوليين واننا سنمضي قدما في تعزيز هذا الدور الايجابي البناء .
ومنذ تشكيل حكومة الوحدة الوطنية, بادرنا الى طي صفحة الماضي والعمل على تحسين العلاقات مع دول الجوار و سعينا الى حل المشاكل على اساس المصالح المشتركة وحسن الجواروالرغبة في العيش المشترك ، واكدنا أن العراق الجديد يعتمد في سياسته الخارجية على دستور لايسمح بإستخدام أراضيه ضد جيرانه ، كما يرفض التدخل في شؤونه الداخلية وقد اتخذنا مواقف عملية في هذا المجال فلن نسمح للمنظمات الارهابية ان تتخذ من الاراضي العراقية ملاذا امنا لها أوان تلحق الاذى بدول الجوارالتي نعمل معها على ملاحقة العناصر الارهابية .
هذه الرغبة الصادقة والاكيدة بتحسين العلاقات مع دول الجوار ومحيطنا العربي والاقليمي , كنا نتوقع ان تقابل بخطوات ايجابية ،كما هو عهدنا بأشقائنا واصدقائنا،ولكن بقيت سياسات التدخل في شؤوننا الداخلية قائمة وآثارها واضحة في تأجيج العنف وتغذيته سياسيا وإعلاميا وماليا وعبر فتاوى التكفير وتدريب الارهابيين.
السادة الحضور
نريد ان نتحدث لكم بكل واقعية وشفافية, إننا لم نشهد خطوات جدية كبيرة لتفعيل قرارات وتوصيات المؤتمرات السابقة ،وان ايماننا بأن الأمن منظومة متكاملة، وإن العراق الآمن والمستقر سيكون في مصلحة دول المنطقة والعالم، لايعني أن يدفع العراق وحده ثمن مواجهته للارهاب وأن يبقى الاخرون في موضع المحايد ,
فدعم الارهاب بأية وسيلة ومهما كانت النوايا والاهداف لن يوفر مكاسب لاية جهة ولن يجعلها في منأى عن الخطر،فالارهابيون يستهدفون جميع الاديان والمذاهب والقوميات والدول دون استثناء ،لانهم يعملون على اثارة الفتنة وزعزعة الامن والاستقرار في عموم المنطقة .
اننا نشعر بان التردد في مواقف دول الجوار ازاء العملية السياسية ، اعطى اشارات سلبية شجعت البعض من المعارضين للعملية السياسية على اتخاذ مواقف اضرت بالامن والاستقرار في العراق .
ندعو جميع دول الجوار لبذل المزيد من الجهود وتشديد الاجراءات الامنية. على الحدود المشتركة لمنع تسلل الارهابيين الى اراضينا ، كما ندعو الى تجفيف منابع الارهاب ومصادر تمويله ومنع الساعين الى تقويض العملية السياسية واتخاذ اراضي دول الجوار مقرا وساحة عمليات للتحركات المعادية للشعب العراقي ، ومنع صدور الفتاوى التكفيرية التي تؤجج الفتنة الطائفية .
ايها السيدات والسادة
إن الشعب العراقي ما يزال يدفع ثمن السياسات الطائشة التي اتبعها النظام البائد وآثار القرارات الدولية ، وماترتب على برنامجه التسليحي وغزوه لدولة الكويت الشقيقة، لقد الحقت فاتورة الديون والتعويضات اضرارا فادحة بالبنى التحتية وقطاع الخدمات والنظامين التعليمي والصحي، وإن شعبنا يتطلع إلى ازالة آثار هذه التركة الثقيلة وتخليصه من هذه الاعباء المدمرة.
ومع إدراك الجميع, ان الشعب العراقي لاذنب له في الحروب والنزاعات وسياسات التدخل التي انتهجها النظام السابق ولم يؤخذ رأيه فيها اويسمح له بالاعتراض عليها ، الا ان شعبنا مايزال يتحمل أعباء هذه الديون التي تكبل إقتصاده ونموه ، ويدفع ثمن فاتورة الحروب والمغامرات التي أشعلها النظام الدكتاتوري ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية تارة واخرى بغزو دولة الكويت وحروب ابادة جماعية في داخل العراق واستخدام الاسلحة الكيمياوية وارتكاب جرائم المقابر الجماعية .
والى جانب كل ذلك, فان التعهدات والالتزامات التي سمعناها من اشقائنا لم تدخل حيز التنفيذ ، في وقت أقدمت دول عديدة على شطب ديونها مع اننا لانرتبط معا بروابط التاريخ والثقافة المشتركة.
إن شطب الديون وايقاف التعويضات المالية المترتبة على العراق يعطي رسالة إيجابية للشعب العراق بوجود رغبة حقيقية في مساعدته على تجاوز الازمات التي يمر بها والاسراع بتنفيذ مشاريع البناء الاعمار ودعم الامن والاستقرار وتطوير قطاع الخدمات .
من الصعب علينا ان نجد تفسيرا لعدم استئناف التبادل الدبلوماسي مع العراق الذي تخلص من النظام الدكتاتوري ، وهي مبادرة كنا نتوقعها منذ وقت ؛ ولم تتحقق حتى الان ،مع إن دولا أجنبية عديدة احتفظت ببعثاتها الدبلوماسية في بغداد ولم تتذرع بالاعتبارات الأمنية، وما يسعدنا اننا سمعنا مبادرات من اشقائنا العرب بأنهم على استعداد لفتح سفاراتهم في بغداد ،ما يجعلنا اكثر أملا في مزيد من تطوير العلاقات فيما بيننا.
لايمكن النظر الى الانفتاح السياسي وتبادل التمثيل الدبلوماسي بانه يصب في مصلحة العراق فقط ؛ انما هو مقدمة ضرورية لتطويرالعلاقات في المجالات كافة ويساهم في تثبيت الامن والاستقراروتحقيق التنمية الاقتصادية بما يخدم مصالح جميع شعوب ودول المنطقة .
ولايفوتني هنا ان اتقدم بالشكر للدول التي اعادت فتح سفاراتها وسنعمل كل مافي وسعنا لتأمين وتهيئة الاجواء المناسبة لاعادة فتح جميع السفارات ونرحب بكل خطوة في هذا الاتجاه .
واجدد شكر الحكومة العراقية لكل الدول الصديقة والشقيقة التي تفاعلت مع العملية السياسية واستحقاقاتها وتبادلت التمثيل الدبلوماسي واسقطت الديون او قدمت الدعم واحترمت خصوصية تجربة العراق وساعدته على تجاوز ازماته .
السادة الحضور
ان حكومة الوحدة الوطنية هي حكومة منتخبة تمثل كل اطياف الشعب العراقي، وان التعامل معها على اساس العلاقات المتكافئة يعكس احترام ارادة الشعب العراقي والاعراف والقوانين الدولية التي تنظم العلاقة بين بلدان العالم ، ومن شأن هذا التعامل ازالة اي التباس او سوء فهم او تشويه مقصود تقوم به بعض الاطراف لاهداف فئوية او حزبية ضيقة .
ومع احترامنا وتقديرنا لمبدا التشاور والحوار وتبادل الافكار والاراء والطروحات التي تتعلق بافاق التعاون والتكامل بين دولنا ، ندعوا ان لا يفكر احد بالنيابة عن الاخرفي ما يتعلق بشؤونه الداخلية .
ان العراق يرفض اية وصاية تفرض على نظامه السياسي ومستقبل شعبه ويقبل مبدا التعاون والتكامل مع الاصدقاء والاشقاء .
ان خصوصية الشعب العراقي وتنوعه القومي والديني والمذهبي تعد مصدر قوة وثراء وسمة بارزة في مسيرته الانسانية والحضارية . وفي نظرتنا المتوازنة لجميع مكونات الشعب العراقي ،فان دستورنا لايسمح ان تستقوي احدى هذه المكونات بقوى خارجية ، كما نرفض ان تتعامل اية دولة مع العراق على اساس الانحياز القومي او الديني او المذهبي، لأنه سيؤدي الى تمزيق العراق وتفتيت وحدته الوطنية.
العراق الجديد تحكمه مؤسسات دستورية ويحترم التزاماته الاقليمية والدولية ويعتمد نظاما ديمقراطيا فدراليا اتحاديا لا يهدد الامن والسلم في المنطقة والعالم ,وبما يلغي مبررات بقائه تحت العقوبات الدولية ، وهو يتطلع عبر مؤتمركم هذا لان يشهد هذا العام التخلص من هذه العقوبات وخروجه من الفصل السابع الذي فرض عليه بسبب سياسات النظام الدكتاتوري السابق .
نجدد الدعوة الى ضرورة الالتزام بما اتفقنا عليه والتزمنا بتنفيذه في دعم الحكومة العراقية ومساعدتها في بسط الامن والاستقرار وتطوير قطاعات الاقتصاد والعمل والطاقة والبناء والاعمار وتوفير الظروف الطبيعية للاجئين العراقيين المقيمين لديها ومساعدتهم وتسهيل اجراءات سفرهم وتخفيف معاناتهم ، واننا سنعمل على توفير الاجواء المناسبة لتأمين عودة ابنائنا الى ارض الوطن ليساهموا في عملية اعادة بنائه واعماره .
اجدد شكري وتقديري لدولة الكويت الشقيقة على استضافة المؤتمر وللسادة ممثلي الدول الشقيقة والصديقة .
نوري كامل المالكي
رئيس وزراء جمهورية العراق