تترقب دول الجوار العراقي بعيون حائرة انتخاباته البرلمانية، وهي تتأمل بنتائجها، للتدارس حيثيات التغيير، دخولا إلى منهجة الأساليب المناسبة للحفاظ على مصالحها، ومع أية حكومة قادمة، وهذا حق مشروع لكل الدول، أن تراقب وعن كثب، التحولات الديمقراطية في الدول المجاورة لها أو حتى البعيدة، إذا ما كانت هناك مصالح أو علاقات مشتركة، وبما يكفل سوية العلاقات..
المملكة السعودية وحدها من شق ستار الترقب والمتابعة، لتمد يدها مكشوفة، لإغاثة البعض على حساب الآخرين، فمن الصعب أن تقف السعودية مكتوفة الأيدي، وهي مشبعة بالمخاوف من استقرار النظام السياسي العراقي المتاخم لحدودها الشرقية، وسياسيوه يتداولون السلطة سلميا، عكس ما هي عليه المملكة من خلافات ونزاعات على مستوى القبائل العشائرية أو الطوائف المذهبية المهمشة أو حتى حالة العائلة الحاكمة، وما يكتنفها من مؤامرات داخلية غير معلنة لسرقة السلطة.. وما يزيد من حالة الرعب الهستيرية لدى رؤوس العائلة المالكة، احتمالات قوة شوكة الحكومة القادمة في العراق واكتسابها الشرعية التامة والاعتراف الإقليمي والدولي الشامل، خصوصا بعد الاستقرار النسبي للوضع الأمني وقرب رحيل القوات متعددة الجنسيات من العراق في العام المقبل، وبعبارة أخرى ان الحكومة القادمة ستكون بحظوظ أوفر من حكومة نوري المالكي وطبعا الأخيرة كانت هي الأخرى أوفر حظا من حكومة إبراهيم الجعفري والقاعدة تشمل حكومة أياد علاوي أيضا، فالاستقرار السياسي في تصاعد طردي ملحوظ، وهذا له انعكاسات على جوانب عديدة منها ما هو داخلي كالاقتصاد والصناعة والعمران والسياحة، ومنها ما هو خارجي كالسياسة وتصدير البترول.. وربما تصدير الديمقراطية إلى دول المنطقة، وهو الخطر الأكبر والمؤرق لدى ساسة العائلة المالكة على المستوى الشخصي، أما على المستوى الإقليمي فالسعودية تريد الاستفادة من التكليف الأمريكي؛ باعتبارها الآن الدولة المحورية في الشرق الأوسط؛ لكي تلعب بعصا التدخل والتغيير بالخارطة السياسية للعراق، مع غض الطرف الأمريكي في الوقت الحالي، لان أميركا ترغب في أن تكون جميع بلدان المنطقة راضية ومستعدة لتقديم المساعدة في حال توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، وبالفعل لا يوجد من يعارض، سوى الحكومة العراقية لاعتبارات السيادة الوطنية وحسن الجوار وحفظ الجميل.
والإعلام هذه الأيام هو النافذة الواسعة التي تتسل منها اكبر الأجندات والمخططات السياسية بكل يسر وسهولة، خصوصا إذا ما توفرت قناة فضائية موجهة ومدعومة أمريكيا مثل قناة العربية المملوكة لصالح العائلة المالكة في السعودية. إذ بأسابيع سبقت انطلاق الحملات الانتخابية، تهيأت قناة العربية لتكون رقما صعبا بالتصعيد الإعلامي والترويج لبعض المرشحين وإعاقة آخرين، انسجاما مع الرغبات السعودية لتغيير الخارطة السياسية في العراق، ولو أن البرامج الدعائية لقناة العربية قد تلكأت في بادئ الأمر بعض الشيء، بسبب حالة التيه والحيرة لدى السلطة السعودية التي كانت تعقد الآمال على الشخصيات البعثية، التي أبعدتها هيئة المسائلة والعدالة، غير أن إدارة القناة نجحت في لملمة برامجها من جديد لتغطية أجواء الاستعداد الانتخابي والتأثير على فكر الناخب، فهي حاذقة بتغيير الخطط والإستراتيجيات، لامتلاكها كادرا إعلاميا محترفا واستوديوهات متكاملة، ومراسلين مهرة، ووجه إعلامي مغري ومحبوب لدى الكثير من العراقيين كالمذيعة سهير القيسي مقدمة برنامج سباق البرلمان، كما أن القناة أنتجت عدة برامج وتقارير ونشرات إخبارية موجزة، بحرفية تامة تخدم الفكرة الموجهة إلى الناخب العراقي، بقصد التأثير على رأيه، والاهم هو الوقت المخصص لبث هذه البرامج، بالذات برنامج "سباق البرلمان" الذي يبث الساعة السابعة والنصف مساءا وهو من الأوقات المهمة، بل يكاد يوصف بالوقت الذهبي لتواجد العائلة العراقية وتوفر الكهرباء حتما في ساعات المساء الأولى ولا يتعارض مع بث ساعات الأخبار في القنوات الأخرى. والمثير في برامج قناة العربية هو تخللها بدعايات إعلانية خاصة بقائمة "أحرار" للمرشح أياد جمال الدين وهو يتحدث بألفاظ وكلمات تسقيط لهرم الحكومة الحالية ومسؤوليها من غير أن يطرح برنامجه الانتخابي أو يتمعن بشرح أهدافه، وهو منافي للقواعد والقوانين الانتخابية، ولا اعرف كيف سمحت إدارة قناة العربية بتمرير هذا الخرق الانتخابي عبر شاشتها، مما يشير وبوضوح إلى أن المملكة السعودية مستاءة جدا من الحكومة العراقية وبنيتها الحالية، وهي غير مكترثة لما ستؤول إليه نتائج تدخلها المفرط بالشأن العراقي، فهذه المرة لا تريد السعودية المراهنة على الورقة الطائفية لأنها غير مؤثرة، وبتعبير أدق أن الطائفة السنية في العراق لا تشكل ثقلا يعتد به في البرلمان، وهو ما أفرزته الانتخابات السابقة، وبديلا عن ذلك اتجهت المملكة لورقة شرذمة الطائفة الشيعية وفك شفرتها بعد بتمويلها المنفرد لرجلين يحسبان على البيت الشيعي وهما العلماني أياد علاوي والعلماني المتلبس بثياب رجل الدين أياد جمال الدين، عوضا عن دعم القوائم والشخصيات السنية الموزعة في عدة قوائم انتخابية، والغرض هو وكما أسلفنا وضع أكثر من إسفين في طريق قائمتي الائتلاف الوطني العراقي وائتلاف دولة القانون ذوات القيادات الشيعية المعروفة.. ولنعود إلى قناة العربية المحملة بكل هذه الرغبات السعودية الجامحة، ما خفي منها وما أعلن للعب بالانتخابات العراقية عن بعد.. ولو لا حسن الحظ أو التوفيق أو سموه ما شئتم فالمهم أن إدارة قناة العراقية استطاعت والى حد ما استيعاب الحملات الانتخابية لمعظم القوائم والكيانات السياسية المتنافسة؛ كونها القناة الوطنية ذات الطابع الرسمي؛ حيث أن العراقية وبساعات محدودة من انطلاق الداعيات الانتخابية نزلت إلى المشاهد وبعدة برامج منها "انتخب العراق" و "مرشحون" وأخرى ملئت البث اليومي، حتى كادت اغلب برامجها بنكهة انتخابية واضحة، الأمر الذي أعاد للإعلام العراقي توازنه وسحبت البساط من تحت أقدام قناة العربية التي كادت أن تنفرد بالتغطية الإعلامية للحدث الانتخابي الهام بالمنطقة، وكان يمكن أن تحدث قناة العربية تأثيرا ملموسا على الساحة الانتخابية وبالتالي تنجح الجهات المنظرة من تحقيق مآربها. وعلى صعيد باقي القنوات المهتمة بالشأن العراقي فيمكن أن تصنف إلى قسمين الأول: اصطف مع قناة العربية للترويج وبشكل واضح وصريح للقوائم العلمانية، كما في قناة الشرقية والبغدادية والبابلية والمنصور والرشيد والفيحاء والسومرية، والقسم الثاني: قنوات حزبية اهتمت بقوائمها حصرا دون الالتفات إلى الآخرين كما في المسار والفرات وبغداد وصلاح الدين والموصلية وآفاق.. إذن من هنا نستيقن أن قناة العراقية لوحدها في الميدان الإعلامي المحايد وعليها واجب مسؤولية إعطاء الفرصة لمن يرغب بالظهور خلال برامجها الانتخابية وعلى القناة والمشارك أيضا الالتزام بمعايير السلوك الانتخابي، والشخص المدعو للمشاركة عليه إظهار نفسه وبرنامجه الانتخابي من دون مساس بالآخرين، كما على القناة أي قناة العراقية إخراج البرامج الانتخابية بطريقة محايدة ورصد أخبار المرشحين سواء المشاركين بالحكومة أو البرلمان، بعيدا عن الدعاية للشخصية بقدر ما هي تغطية للخبر وليس أكثر. فقناة العراقية محط أنظار الجميع، وغالبا ما تتعرض للنقد من قبل بعض السياسيين العراقيين، دونما التفات منهم إلى ما يصدر من القنوات الأخرى من أخطاء إعلامية مقصودة أو متعمدة كادت أو ربما في بعض الأحيان جرت على العراق كوارث ومصائب عديدة. ختاما نقول هل أن قناة العربية حققت ولو جانبا مما خطط لها؟ رغم أن العربية وببساطة تحط الرحال أينما تريد وتجند من تريد من المراسلين والمصورين في العراق وتنشئ الاستوديوهات وتحرك عجلات النقل الفضائي في أي مكان، وهو بتسهيل وضغط من الإدارة الأمريكية على الحكومة العراقية، لاعتبارات أن قناة العربية وليدة التعاون الأمريكي السعودي كما نوهنا للفكرة في مطلع المقال. والجواب لم تحقق ما كان مقررا لها، لان قناة العراقية استطاعت أن تكون قناة وطنية للجميع وبلا استثناء.