مرة اخرى يخطأ البعض في دولة الكويت الشقيقة في أختيار الاسلوب في التعامل مع العراق وفي الضغط عليه، في وقت يحتاج فيه الشعب العراقي وتحتاج حكومته الوطنية إلى كل الوان الدعم من جيرانه واشقائه واصدقائه لاستكمال مقومات حريته واستقلاله واعادة اعماره وازدهاره.
ان ترسل الحكومة الكويتية مندوباً عالی المستوى مع رسالة إلى مجلس الامن الدولي تطلب فيه ابقاء العراق تحت البند السابع، وبخلاف رغبة الشعب والحكومة العراقية اللذين يعملان وبسباق مع الزمن لاستكمال عناصر السيادة الوطنية والتخلص من آخر تبعات السياسات الخرقاء للنظام الدكتاتوري السابق، بل وبخلاف المصالح العربية ومصالح المنطقة العليا.. خطوة خاطئة ولا تدل على نوايا حسنة تجاه العراق وشعبه ولا تدل ايضاً على بُعد نظر وفهم لطبيعة المتغيرات القادمة عراقياً واقليمياً ودولياً، خاصة بعد ان وضع ابناء الشعب العراقي اقدامهم على الطريق الصحيح المؤدي إلى الحرية والاستقلال وبناء النظام الديمقراطي الدستوري.
ان كل المبررات التي تسوقها الحكومة الكويتية لا تتناسب مع خطورة واضرار هذا الطلب على العراق. ليس في العراق فحسب بل غالبية دول المنطقة والعالم تعيش فيما بينها مشكلات حدود وديون وتداعيات حروب سابقة... ولكن لم يلجأ أياً منها إلى ما قامت به الكويت اخيراً.
خطأ آخر يذكّرنا بسلسلة أخطاء ارتكبتها الكويت خلال العقود الماضية مثل خطأ المساهمة في تمويل انقلاب 1963 ضد المرحوم عبد الكريم قاسم ورشوة الحكومة الانقلابية آنذاك لكسب اعترافها بالحدود ومثل وضع ميناء الشويخ والملايين من الدولارات لتغذية ماكنة الحرب العراقية في الحرب العراقية الإيرانية وفق منهج منا المال ومنكم الرجال لتدمير عناصر قوة البلدين، تلك الحرب الظالمة وغير المشروعة التي كلّفت الشعب العراقي مئات الألوف من القتلى والشهداء والمعوقين وهدر الاحتياطي المالي، والتي اعترف صدام لاحقاً بكونها غلطة ورّطة فيها الكبار واقرّت الأمم المتحدة عام 1990 بكون النظام الصدامي هو البادئ في الحرب على إيران وهي التي ولدت غزو الكويت.
ومثل خطأ تسليم المئات من المعارضين العراقيين عام 1983 إلى أجهزة قمع صدام ليكون مصيرهم الإعدام حتى وصل الأمر أن تكون الكويت بوابة الاجتياح العسكري الأجنبي الغاشم عام 2003 وسوف لا نقف كثيراً عند اخطاء اخرى كاستغلال الظروف الدولية غير الطبيعية للتمدّد على أراضي العراق ومزارعه ومياهه، وكذلك تجاوز حقوق العراق في استثمار حقول النفط المشتركة على الحدود.
كل تلك الصفحات قديمة ومحزنة يرغب العراقيون وحكومتهم بنسيانها متطلّعين إلى المستقبل، ولكن توالي الاخطاء وتجدّدها يُبقي تلك الصفحات مفتوحة في الذاكرة.
تصرّ الحكومة العراقية وخاصة في السنوات الثلاث الأخيرة على بناء علاقات إيجابية مع كل دول الجوار ودول المنطقة العربية والإسلامية على أساس المصالح والقيم المشتركة ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية والاحترام المتبادل، الاّ أن الخطوة الكويتية الأخيرة هي بمثابة استفزاز خطير وغير مبرر وربما يشير إلى دوافع أخرى غير مُعلنة، نتمنى على الأشقاء الكويتيين الإسراع بسحب طلبهم الموجه لمجلس الأمن الدولي واعتماد الحوارات الثنائية أساساً لحل المشكلات العالقة.
نتمنى ان لا تكون الخطوة الكويتية الاخيرة محاولة لجر الانظار بعيدا"ً عن الداخل الكويتي الذي تتصاعد فيه الانقسامات والصراعات وخاصة بين مجلس الأمة والحكومة، كما نتمنى ان لا تكون الكويت مدفوعة بأرادات بعض الدوائر السياسية والأمنية الإقليمية والدولية التي تخشى من النظام الديمقراطي الجديد في العراق وتسعى ومن خلال الضغوط المختلفة التدخل للتأثير في صياغة النظام المستقبلي في العراق وبخلاف ارادة وتوجهات شعبه.
ان ملفات الديون والتعويضات ورفات القتلى والشهداء (من الطرفين) وغيرها يُمكن حلها جميعاً من خلال المفاوضات واللقاءات الثنائية اما تثبيت الحدود فهي من اعقد الملفات لاننا نعتقد ان توظيفاً لاوضاع دولية غير طبيعية عام 1991 وفي السبعينات والثمانينات ادى إلى تمدد كويتي غير مشروع في اراضي ومياه العراق، واذا كان البعض يتذرع بقرارات الأمم المتحدة، فان نفس الأمم المتحدة اعترفت بحدود اخرى لكويت عام 1962 عام الاستقلال لدولة الكويت وبين تلك الحدود والحدود الراهنة عشرات الكيلومترات المصادرة من العراق.
لقد أثبتت الأحداث فشل منهج القوة العسكرية الغاشمة الذي اعتمده النظام البائد في العراق في التعامل مع ملفات المشكلات بين العراق والكويت.
وتثبت نفس الأحداث وغيرها فشل ان تعتمد الكويت على دعم دوائر خارجية لها وعلى عدم الاستقرار الكامل لأوضاع العراق للتمدد على حساب حقوق الآخرين.
ان المنطلق لحل امثل لكل المشكلات بين العراق والكويت، ليس مجلس الأمن الدولي الذي لا يُمكن ضمان استقرار توجهاته وتوازنات مواقفه دائماً، وانما في اللقاء الثنائي القائم على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، واذا صفت النفوس وتم قطع التدخلات الخارجية فأننا نرى وجود فرص عظيمة لتكامل اقتصادي وامني وحتى سياسي بين الدولتين يَعّم بخيره على الشعبين العراقي والكويتي وعلى المنطقة وعندها ستكون مشكلات الحدود والديون والتعويضات قضايا جانبية بسيطة يسهل حلّها وسلاماً إلى اشقائنا في دولة الكويت الجارة.
بغداد 29/5/2009